محمد بن محمد ابو شهبة

402

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فيزدادوا إيذاء له ولأصحابه ، وكان القوم لئاما فلم يفعلوا ، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويرمون عراقيبه بالحجارة ، حتى دميت عقباه ، وتلطّخت نعلاه ، وسال دمه الزكي على أرض الطائف وزيد بن حارثة مولاه يدرأ عنه ويدفع حتى أصيب في وجهه بشجاج ، وما زالوا بهما حتى ألجأوهما إلى حائط - بستان - لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه ، فكره مكانهما لعداوتهما اللّه ورسوله ، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه ، فعمد إلى ظل شجرة من عنب ، فجلس فيه هو وصاحبه زيد ، ريثما يستريحا من عنائهما ، وما أصابهما ، وابنا ربيعة ينظران إليه ، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف ، ولم يحركا ساكنا ، ولعلهما كانا يتلذذان من هذا المشهد الذي شفى نفوسهما من الرسول ، ولقي رسول اللّه المرأة القرشية التي من بني جمح ، فقال لها : « ماذا لقينا من أحمائك » « 1 » ؟ ! تضرع ودعاء وفي هذه الغمرة من الأسى والحزن ، والآلام النفسية والجسمانية توجه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ربه بهذا الدعاء الذي يفيض إيمانا ويقينا ، ورضى بما ناله في اللّه ، واسترضاء للّه ، والذي لم أقف على مثيل له فيما قرأت ، قال : « اللهمّ إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ ! أم إلى عدو ملّكته أمري ؟ ! إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل عليّ سخطك . لك العتبى « 2 » حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه » رواه ابن إسحاق .

--> ( 1 ) أهل الزوج وأقاربه وهو جمع حمو . ( 2 ) العتبى : الاسترضاء .